لكي تأتي الميزانية العامة معبرة عن مجمل نشاطات الدولة من سياسية و اقتصادية و اجتماعية، وجب إشراك كل أصحاب المسؤولية في عملية تحضيرها، و هذا ما تحاول تطبيقه معظم بلدان العالم ، إذ تبدأ عملية تحضير الميزانية في الوحدات التابعة لكل إدارة من هذه الوحدات إلى الإدارة المركزية، فالوزير المختص ، فوزير المالية ، فمجلس الوزراء، و على هذا الأساس فإن عملية التحضير تجتاز من بدئها حتى تاريخ إحالة مشروع الميزانية على البرلمان أربعة مراحل و هي :
- تحديد الأهداف العامة ( La détermination des perspectives ):و تتحدد هذه الأهداف في القرارات التي يتخذها مجلس الوزراء في جلساته العادية و الاستثنائية المخصصة لمعالجة مواضيع معينة، و رسم السياسة المالية للدولة و وسائل تحقيقها، و الأصول و الاتجاهات المالية الواجب مراعاتها على ضوء توجيهات المخطط السنوي الذي يستند على الأهداف المراد إنجازها في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية كما هي واردة في قانون كل مخطط سنوي.
- إعداد الإطار العام لمشروع الميزانية(Les grandes lignes du projet budgétaire ) على ضوء قرارات مجلس الوزراء و ما تحدده من السياسة المالية الواجب أتباعها، تبدأ وزارة المالية بوضع الإطار العام لمشروع الميزانية للسنة المالية المقبلة، مركزة في الوقت نفسه على الأولويات، و الخدمات العامة التي تنوي تقديمها، و حجم القروض عند اللجوء إلى الإيرادات الاستثنائية لتغطية نفقات المشاريع الأساسية و ضبط النفقات و التوسع في بعضها الآخر.
- تحضير مشروع الميزانية لدى الوزارات - توقعاتهم (La préparation du projet budgétaire dans les différents ministres) في الأشهر الأولى من السنة المالية يبدأ تحضير مشروع الميزانية لدى الوزارات ، فتقوم كل وحدة إدارية في الوزارة و استنادا إلى نفقاتها في العام السابق( Règle de la pénultième année ) بإعداد جدول نفقاتها و نفقات المصالح التابعة لها للسنة المقبلة على ضوء السياسة المالية العامة المحددة كالأخذ بعين الاعتبار مثلا : حالة الخزينة،الخطة الاقتصادية و الإنمائية ...الخ و بعد أن ترفق هذه الجداول بالمستندات و الوثائق اللازمة تودع لدى مصالح الوزير المختص ، حيث يتم توحيدها و عرضها على الوزير، و بعد أن يدرس كل وزير ميزانية وزارته ، و هذا طبقا لمتطلبات سياسته المقبلة، يمكنه إعادة النظر فيها بالزيادة أو النقصان، أو تفضيل مشروع على آخر أو تعديلها، ثم يرسلها ضمن المهلة القانونية إلى إدارة الميزانية لدى وزارة المالية مرفقة بالمستندات و الإيضاحات التي تبرر الاعتمادات المطلوبة، و الفروق الحاصلة بينها و بين الميزانية الجارية و الأسباب الموجبة لها.
- عرض مشروع الميزانية على مجلس الوزراء: تلعب وزارة المالية دورا هاما في تحضير الميزانية مما يعطي لوزير المالية سلطة واسعة بالنسبة لغيره من الوزراء و يتجلى هذا الأمر من خلال الإطار القانوني الذي خول وزير المالية القيام بالمهام التالية (المرسوم التنفيذي رقم 95-54 المؤرخ في 15 فيفري 1995 المتضمن صلاحيات وزير المالية):
- يقوم بإعداد نفقات وزارته ، شأنه في ذلك شأن الوزارات الأخرى،ثم يودعها لاحقا إلى إدارة الميزانية،
- يختص بتحضير تقديرات الإيرادات العائدة للسنة التالية، و هو الأمر الذي يميزه عن سائر الوزراء الذين يكتفون بتقدير النفقات فقط،(مع الملاحظة أنه توجد أكثر من طريقة لتقدير مشروع الإيرادات منها طريقة حساب السنة ما قبل الأخيرة ، الطريقة المباشرة ، و الطريقة الحديثة المعروفة بطريقة الميزانية قاعدة صفر التي لا تعتمد على أي ميزانية سابقة في تقديراتها و إنما تنطلق من الصفر و تعتمد على الحاجات المستقبلية كمعطيات جديدة دون الالتفات إلى الماضي).
- يجمع مشاريع ميزانيات النفقات الواردة إليه من مختلف الوزارات مضيفا إليها مشروع نفقات وزارته،
- يتحمل وحده مسؤولية تأمين التعادل بين إيرادات الميزانية و نفقاتها، لذلك فإنه يكون حريصا على دراسة و تدقيق جميع طلبات الاعتمادات المالية و الأسباب الموجبة لها و المستندات و الوثائق التي تبررها مع اضطراره في غالب الأحيان إلى مناقشة الإدارات المختصة في صحة بعض النفقات و ضرورياتها،
- و أخيرا يعد مشروع الميزانية في صيغته النهائية و يعرضه على مجلس الوزراء تمهيدا لإحالته على السلطة التشريعية، و يرافق ذلك خطاب الميزانية أو التقرير التفسيري.
و لعلى الدور الأساسي الذي يلعبه وزير المالية يتمثل في حالة طغيان النفقات على الإيرادات، و نظرا لعدم قدرته على زيادة الإيرادات، فإنه يسعى جاهدا للعمل على إنقاص النفقات، و هنا تتبين قدرة و مهارة وزير المالية في مناقشة و إقناع زملائه بالحجة و المنطق على ضرورة تقليص بعض النفقات و حتى إلغائها، فإذا لم ينجح في مهمته و تمسك الوزراء بآرائهم عرض الأمر على مجلس الوزراء الذي يبث في الخلاف، و قد يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى نشوب أزمات وزارية خصوصا إذا ما انقسمت آراء الوزراء بين مؤيد و معارض لموقف وزير المالية. و هذا ما دفع معظم التشريعات المالية على جعل أمر تحضير الميزانية لوزير المالية على أن يتبعها فيما بعد رفع المشروع و عرضه على مجلس الوزراء ضمن المهل القانونية و الدستورية لتتمكن الحكومة من دراسته و انجازه و إحالته على البرلمان ضمن المهلة المحددة.
بالنسبة للهيئات و المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري
|